سيد محمد طنطاوي
145
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الجمل ما ملخصه : قوله - تعالى : * ( والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ ) * . . إلخ . شروع في بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى . وقرأ الجمهور : والسارق بالرفع وفيها وجهان : أحدهما : وهو مذهب سيبويه والمشهور من أقوال البصريين - أن السارق مبتدأ محذوف الخبر . والتقدير : فيما يتلى عليكم أو فيما فرض عليكم السارق والسارقة . أي : حكم السارق ، ويكون قوله * ( فَاقْطَعُوا ) * بيانا لذلك الحكم المقدر . فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها ، ولذلك أتى بها فيه لأنه هو المقصود . ولو لم يؤت بالفاء لتوهم أنه أجنبي ، والكلام على هذا جملتان : الأولى خبرية والثانية أمرية . والثاني : وهو مذهب الأخفش وجماعة كثيرة - أنه مبتدأ - أيضا - والخبر الجملة الأمرية من قوله * ( فَاقْطَعُوا ) * وإنما دخلت الفاء في الخبر ، لأنه يشبه الشرط إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذي والتي والصفة صلتها ، فهي في قوة قولك والذي يسرق والتي تسرق فاقطعوا » « 1 » . والمعنى : * ( السَّارِقُ ) * أي : من الرجال * ( والسَّارِقَةُ ) * أي : من النساء * ( فَاقْطَعُوا ) * أيديهما ، أي فاقطعوا يد كل منهما الذكر إذا سرق قطعت يده . والأنثى إذا سرقت قطعت يدها . والخطاب في قوله : * ( فَاقْطَعُوا ) * لولاة الأمر الذين إليهم يرجع تنفيذ الحدود وجمع - سبحانه - اليد فقال « أيديهما » ولم يقل يديهما بالتثنية ، لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية . وقوله * ( جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّه ) * بيان لسبب هذه العقوبة وللحكمة التي من أجلها شرعت . أي : اقطعوا أيديهما جزاء لهما بسبب فعلهما الخبيث ، وكسبهما السيئ ، وخيانتهما القبيحة ، ولكي يكون هذا القطع لأيديهما * ( نَكالًا ) * أي : عبرة وزجرا من اللَّه - تعالى - لغيرهما حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة . يقال : نكل فلان بفلان تنكيلا : أي : صنع به صنيعا يحذر غيره . والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك . وأصله من النكل - بالكسر - وهو القيد الشديد ، وحديدة اللجام ، لكونهما مانعين وجمعه أنكال . وسميت هذه العقوبة نكالا ، لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده ، وفضيحة لأمره .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 488